بقلم حبيب الزموري
أيّ مستقبل لقوى الفوضى الخلاقة في الوطن العربي؟ (الجزء الأول)
لم تراجع الإمبريالية الأمريكية سياسة الدعم المالي للأنظمة العربية العميلة بعد فشلها في تمرير المخططات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة إلا بعد أن اكتمل وضع السياسات والبرامج البديلة لتنفيذ تلك المخططات بخلق مراكز قوى ونفوذ موازية للنظام الرسمي العربي قادرة على التأثير في الرأي العام وقلب موازين القوى إن لزم الأمر وتتنوع هذه القوى والمراكز من القوى الأكثر نعومة إلى القوى الأكثر عنفا وتطرفا.
قوى الفوضى المدججة “بالنوايا الطيبة”
تتكون أساسا من القوى المدنية و السياسية الناشطة تحت مظلة الدعم و الرعاية الأمريكية تحت مراقبة و متابعة وزارة الخارجية الأمريكية أو وكالة الاستخبارات المركزية أو المخترقة من قبلهما و قد عبر زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عن هذا مفهوم للاختراق حين دعا منذ السبعينيات في أحد نصوصه إلى وجوب اهتمام الولايات المتحدة “باختراق الحركات القومية والأيدولوجية والمثقفين، وحتى المزيّفين منهم في بلدان الأطراف غير الرأسمالية، بهدف انتزاع المثقفين من حركات التحرر الوطني، وبالتالي تفريغها من هؤلاء المثقفين، لتصبح حركة جماهيرية بلا رؤية”. و يحدد الكاتب الأمريكي فيليب آجي ثلاث طرق لهذا الاختراق في كتابه “داخل الشركة inside the company”:
- التجنيد الاستخباراتي لعدد من رموز النخبة السياسية في البلد المستهدف وتمويلهم لاصطناع منظمات مدنية من الصفر تقوم بالتسويق للرؤى والسياسات الأمريكية في البلد.
- تمويل المنظمات القائمة بالفعل مادياً لاتخاذ مواقف سياسية محددة سلفاً تفيد سياسات ومصالح الولايات المتحدة في البلد المستهدف.
- الدعم السياسي والمعنوي لمنظمات حقوق الإنسان (وهي أحد أكثر منظمات المجتمع المدني فاعلية) عن طريق دعوة القائمين عليها لمؤتمرات دولية، وتوظيفهم كمستشارين وأكاديميين في هيئات أمريكية ودولية بهدف ترقيتهم سياسياً وإعلامياً في البلد المستهدف حتى يصبحوا مؤثرين في الرأي العام بشكل أو بآخر. وفي الشكل الأخير من أشكال الاختراق الاستخباراتي لمنظمات المجتمع المدني لا تعرف المنظمة المخترقة أنها توجه لصالح سياسات الولايات المتحدة على وجه الحقيقة، بل تستغل الاستخبارات الأمريكية القناعات الشخصية لدي القائمين على تلك المنظمة بالسياسات الأمريكية لكي تدفعهم دفعاً لدعم سياساتها المستقبلية والنظر إلى خطط التنمية والتطوير في بلادهم من خلال عدسات أمريكية.
وقد كشف فيليب أجي بوصفه عميلا سابقا لوكالة المخابرات المركزية، ان الوكالة طبقت في نيكاراجوا برنامجًا لإشاعة عدم الاستقرار سبق ان اختبرته في شيلي والبرتغال وجامايكا من قبل، ولكي تمول «العمليات المعادية للساندينيين»؛ خصصت الإدارة الأمريكية 19 مليون دولار لوكالة المخابرات المركزية وحدها، وبناء على تعليمات الرئيس الأمريكي رونالد ريغان صرفت تلك الأموال على المنظمات المعادية للثورة، وتحديداً تدريب مجموعات التخريب التابعة لسوموزا، وإلى جانب ذلك نشطت وكالة المخابرات المركزية في تنفيذ مخطط للعمليات السرية. ففي جانفي 1982 اكتشفت دوائر الأمن في نيكاراجوا مؤامرة للإطاحة بحكومة الساندينيين، وهو ما حدث عندما خسرت الجبهة الساندينية بزعامة دانييل اورتيغا الانتخابات عام 1990 وقد تم ذلك بدعم واشنطن لقوى المعارضة، أي تمويل منظمة كونترا المناهضة لحكومة الساندينيستا بشكل غير شرعي من قبل الولايات المتحدة. ولا تختلف سياسة الامبريالية الأمريكية في الوطن العربي إلا في بعض التفاصيل أملتها المتغيرات الدولية في تسعينات القرن الماضي ومن أبرز الأمثلة الدالة على هذه السياسة “مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط” التي أطلقتها الخارجية الأمريكية في ديسمبر 2002 والمعروفة اختصاراً بـ «ميبي” الموجهة لمساعدة منظمات المجتمع المدني في المنطقة، وقد أعلن مكتبها ومقره في تونس في شهر فيفري 2008، عن فتح باب الترشيحات للحصول على مساعدات موجهة للمنظمات المهنية والجامعات والهيئات غير الحكومية والمنظمات النسوية. ووصلت المبالغ المخصصة لعام 2008 إلى 3 ملايين دولار، أما حجم التمويل الممنوح للمشاريع الفردية فيتراوح بين 15 ألفاً و25 ألف دولار للمشروع الواحد. وأفاد المكتب بأن “المبادرة” التي أطلقتها الإدارة الأمريكية في ديسمبر 2002 منحت مساعدات زادت قيمتها عن 430 مليون دولار لتمويل 350 مشروعا في 17 بلداَ من “منطقة الشرق الأوسط” وشمال أفريقيا، هذه الشبكة العنكبوتية من الجمعيات المرتبطة بالمركز الإمبريالي توفر للإدارة الأمريكية بنكا من المعلومات عن أدق تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بل و حتى النفسية و الذهنية للمجتمعات المخترقة لا تتوفر حتى للأنظمة الحاكمة فيها. مما يتيح لها القدرة على التخطيط والتأثير علما أن هذه المبادرة خصصت مبلغ 20 مليون دولار لدعم ما سمي “بالتحول الديموقراطي” في تونس عبر إقامة شراكات مع منظمات محلية ودولية بهدف دعم مجهود التحول الحاصل وتحقيق جملة من الأهداف حددها المشرفون على البرنامج كالتالي:
- تأسيس قطاع إعلامي مستقل ومهني وتعددي يقدم المعلومات بصورة شفافة وبناءة
- تشكيل مجتمع أهلي مستقل قادر على أن يلعب دورا محوريا في دعم التربية المدنية والدفاع الفعال عن القضايا
- تعزيز وتطوير أحزاب سياسية
- تطوير إطار سليم للانتخابات
- تشجيع الإصلاحات الاقتصادية
وتدل هذه الأهداف المرسومة على حجم الاختراق الإمبريالي الأمريكي لمختلف القطاعات الحيوية للمجتمع التونسي وهو نفس الاختراق للمجتمعات العربية ذات القابلية للعمل المدني والجمعياتي، أما بالنسبة للمجتمعات العربية الأشد انغلاقا فإن الاختراق يكون أشد عنفا ودموية.
قوى الفوضى المدججة بالسلاح
ولم تختلف تكتيكات الإمبريالية الأمريكية في الوطن العربي كثيرا عن تكتيكها في أمريكا اللاتينية حيث عملت على ممارسة شتى أصناف الاختراقات لتطبيق مخططاتها بما في ذلك خلق الظروف لنشأة أكثر التنظيمات رجعية ووحشية وقد صرح دومينيك دوفلبان أن ما تقترفه الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاؤها في المنطقة العربية بعد اجتياح العراق سنة 2003 “عبثيٌّ و خطير”، مؤكدا بالمناسبة أن داعش ليست سوى ” الوليد الغول لسياسة الغرب المتقلبة المستكبرة إزاء شعوب الشرق ودوله ” وقد تبنى هذا الاستنتاج مؤسس ويكي ليكس الأسترالي جوليان أسانج الذي اعتبر داعش صناعة أمريكية تتحدر من سياسة خلق العدو للإمبريالية. و في الحقيقة فإن علاقة الإمبريالية الأمريكية بالتنظيمات الإرهابية في المنطقة لا تحتاج إلى شهادة دو فيلبان أو أسانج أو إلى الانتظار لمفتتح القرن الــ 21 فهي تعود إلى ثمانينات القرن الماضي عندما ضخت الامبريالية الأمريكية السلاح و المال للتنظيمات الجهادية الأفغانية في إطار الحرب الباردة بما فيها تنظيم القاعدة الذي تناسلت منه أغلب التنظيمات الإرهابية في الوطن العربي و كانت هذه التنظيمات تصنف في الدعاية الامبريالية حينئذ كحركات تحرر ضمن محور الإمبريالية العالمية في مواجهة “الشر الشيوعي الأحمر” قبل أن تتحول بعد انتهاء دورها الوظيفي إلى قوى للشر بدورها و تكتوي الولايات المتحدة الأمريكية بالنار التي سلحت بها هذه التنظيمات. و لم تكن الميليشيات الأفغانية و تنظيم القاعدة المثال الوحيد عن انقلاب المفاهيم و التصنيفات الإمبريالية بطرق بلغت أقصى درجات الانتهازية و التضليل و التلاعب بالقيم و المفاهيم التي تأسس عليها الفكر الليبيرالي الذي تدعي الدفاع عنه حيث اعتمدت الامبريالية الأمريكية نفس السياسة في علاقة بالوضع في سوريا فبعد سنوات من تصنيف هيئة تحرير الشام كتنظيم إرهابي ها هي تجمع الذرائع و التبريرات لشطبها من قائمة الإرهاب و تسويقها “كقوة تحرر أنقذت الشعب السوري من جحيم الديكتاتورية البعثية” بعد أداء فروض الولاء و الطاعة للمشروع الامبريالي – الصهيوني في الوطن العربي بطبيعة الحال و التي لم يتأخر قائد هذا التنظيم في التصريح بها بمناسبة و بدونها.
إن مصير قوى الفوضى التي زرعتها الامبريالية الأمريكية في الوطن العربي مرهون في مدى نجاعتها في تطبيق الاملاءات الإمبريالية و تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تبشر به و لن يختلف مصيرها في تقديرنا عن مصير كافة القوى العميلة المرتبطة بالقوى الامبريالية المنفصلة عن حقوق شعوبها في الحرية و العدالة الاجتماعية و الكرامة الوطنية و لكن سقوطها يبقى مسألة خاضعة لموازين القوى و مدى قدرة القوى الثورية و التقدمية العربية على التحرر من ربقة النظام الرسمي العربي الرجعي و العميل الذي يشكل أكبر عائق موضوعي على تشكل مشروع وطني ديموقراطي شعبي عربي يقود معركة التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي و الاقتصادي. إن التناقض الرئيسي الذي يشق الوطن العربي بالأمس كما اليوم هو بين قوى التحرر الوطني السياسي والاقتصادي و الثقافي و قوى الهيمنة الامبريالية و الصهيونية و وكلاؤها من التنظيمات و أجهزة الحكم الرجعية العميلة و أي قراءة للصراع الطبقي في منطقتنا خارج هذا التناقض لن يكون سوى خدمة للمشروع الامبريالي الصهيوني و انعاشا للنظام العربي الرسمي المتهالك و إعادة انتاج لواقع اٌنقسام و التشتت الذي تعيشه الحركة التحريرية العربية.