اتفاقيات مريبة وغير معلنة مع أوروبا تحوّل تونس إلى “مصيدة” للمهاجرين
بقلم سمير جراي
لا نبالغ إذا قلنا إنها أزمة الأزمات في تونس حاليا، ولا نقصد الخطورة هنا بخطر محدق يمثله المهاجرون، بل الخطورة في طريقة التعامل مع الأزمة وتسييرها وارتفاع نسبة خطاب الكراهية والعنصرية، ولا يمكننا إغفال أو التغاضي عمّا يتعرض له بعض المواطنين من عنف أحيانا من بعض المهاجرين والاستيلاء (المؤقت) على أراضيهم وحقولهم بسبب قرارات الدولة الاعتباطية وغير المدروسة، فالمسألة معقدة ولم يكن دور الإعلام في التعامل معها إيجابيا في كثير من الأحيان بل وصل حدّ التحريض والتضليل في مناسبات عدة، لذلك ارتأينا أن نتحدث في الموضوع بكثير من الاتزان والموضوعية لمحاولة النظر إلى الأزمة من زواياها السياسية والحقوقية والاجتماعية.
خطورة ما آلت إليه أزمة المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في بلادنا بلغت حدا خطيرا، ولم تعرف هدوءا ولا تراجعا بل هي في تفاقم مطّرد منذ ما يقارب الأربع سنوات وتزايدت حدّتها منذ إمضاء قيس سعيد لاتفاقية مع الجانب الأوروبي برعاية رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية المتطرفة جورجيا ميلوني في جويلية 2023.
اتفاقية بقيت بنودها سرية ولكن بعد قرابة العامين من إمضائها ومقارنة بما آلت إليه الأوضاع المتعلقة بملف الهجرة يمكن أن نستشف ونقرأ ما خفي من أسطر هذه الاتفاقية وفقراتها وشروطها، وسنعود إليها لاحقا، لكن قبل ذلك دعونا نبدأ بآخر الأحداث المتعلقة بالمهاجرين وأوضاعهم في تونس والجدل الحاصل بشأن ما تعتبره فئة كبيرة من التونسيين وخاصة من أنصار قيس سعيد “توطينا للمهاجرين” وما يحدث في منطقتي العامرة وجبنيانة من ولاية صفاقس.
عاشت هذه المناطق، واقعيا، ومنصات التواصل الاجتماعي افتراضيا، الأيام الماضية، نوعا من الهستيريا الغريبة تجاه المهاجرين، هستيريا لم يتوانى عن تغذيتها وتأجيجها نواب ببرلمان قيس سعيد ومساندين للنظام ومعارضين له كذلك، فالأزمة كما قلنا على درجة عالية من الحساسية والخطورة وتعدّ مسألة أمن قومي، ولم يتخلف أحد عن الإدلاء بدلوه فيها، واختلفت الآراء في كيفية التعامل مع الوضع وإن يبقى الاختلاف في الآراء مقبولا في مثل هذه الملفات إلا أن الخطير في الأمر انتشار خطاب العنصرية والكراهية والتحريض ضدّ المهاجرين، تحريض وصل حدّ دعوات عنصرية مقيتة، لا يمكن السكوت عنها ولا يمكن قبولها في تونس 2025.
دافعت المسدّي على الترحيل القسري للمهاجرين معتبرة ذلك ضرورة
يوم الجمعة 7 مارس زارت عضو برلمان قيس سعيد فاطمة المسدي مخيّم “هنشير بن فرحات” للمهاجرين بمنطقة العامرة من ولاية صفاقس وأشعلت الجدل بخصوص ما يعتبره أنصار الرئيس محاولات للتوطين وتغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد من خلال حديثها عن “دولة داخل الدولة” ووجود بعض الخيام يستعملها المهاجرون كقاعة سينما وصيدلية ومطاعم ومسجد وغيرها.. ودافعت المسدّي على الترحيل القسري للمهاجرين معتبرة ذلك ضرورة وأنّ برنامج العودة الطوعية لا يعدّ حلا لمعالجة الأزمة. وأضافت في تدوينة لها على موقع فايسبوك أنّ تعطيل إحالة مقترح قانون يهدف إلى ترحيل المهاجرين غير النظاميين “تعطيل متعمد لمؤسسات الدولة” لأنه يُستخدم كأداة للضغط السياسي حسب وصفها.
أمّا رئيس برلمان قيس سعيد إبراهيم بودبالة فقال بعد صمت طويل بخصوص هذا الملف “إنّ تدفّق المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء أصبح يشكّل خطرا على الأمن العام وعلى الاستقرار الاجتماعي وأكد أنّ تعامل تونس مع هذه المسألة يجري وفق المواثيق الدولية والقانون الإنساني واحترام الذات البشرية”، وشدد بودربالة على حرص تونس على الإيفاء بتعهداتها الدولية.
“اتفاقية قيس سعيد مع أوروبا بواسطة ميلوني هي السبب الحقيقي لأزمة المهاجرين”
من هنا نتطرق لتعهدات تونس الدولية ونعود للحديث عن الاتفاقية التي أبرِمت مع الاتحاد الأوروبي في صائفة 2023 وبقيت بنودها طي الكتمان، يقول النائب السابق والناشط مجدي الكرباعي في تدوينات له على موقع فايسبوك إنّ “اتفاقية قيس سعيد مع أوروبا بواسطة ميلوني هي السبب الحقيقي لأزمة المهاجرين”، ويوضح: “الشراكة الشاملة أو كما تعرف بـ: (Memorandum) بين تونس وأوروبا هي مصيدة للمهاجرين وإيطاليا قامت بتصدير أزمة المهاجرين من أوروبا إلى تونس وأنّ الذي يحدث اليوم موجود بالضبط في النقطة السادسة من برنامج ميلوني الانتخابي”. والتي تنص على أنّ: “حماية الحدود الوطنية كما ينص عليها الاتحاد الأوروبي من خلال الاتفاق الجديد للهجرة واللجوء وذلك بمراقبة الحدود ومنع انطلاق قوارب المهاجرين بالاتفاق مع دولة من شمال أفريقيا”.
كما أنّ الاتفاقية ساهمت بشكل واضح وجلي، وهو ما تؤكده الأرقام، في تراجع نسبة وصول المهاجرين إلى الجزر الإيطالية خلال فترة ما بعد إمضاء الاتفاقية وهو ما صرحت به ميلوني نفسها ووزير داخليتها في أكثر من مناسبة، وتؤكد الأرقام تراجع أعداد المهاجرين مقارنة بفترة ما قبل جويلية 2023، وقد انتهى عام 2024 بانخفاض إجمالي في أعداد المهاجرين الوافدين إلى إيطاليا عن طريق البحر بنسبة 60% تقريبا مقارنة بعام 2023، تقول وكالة “نوفا” للأنباء (إيطالية): “يعود هذا الانخفاض بالأساس إلى التدابير الوقائية التي اتخذتها السلطات التونسية والليبية لوقف أنشطة المهربين”.
الكرباعي: مذكرة التفاهم بين قيس سعيد والاتحاد الأوروبي تشوبها “شبهات”
ويقول الكرباعي إنّ مذكرة التفاهم (الاتفاقية) هذه تشوبها “شبهات” فجوهرها لم ينشر بعد وما نشر على مواقع التواصل منذ أيام ما هو إلا النزر القليل منها وما خفي أعظم.
وبيّن الكرباعي أنّ: “حتى أمينة المظالم في الاتحاد الأوروبي اعتبرت أنّ غياب الشفافية في هذه الاتفاقية أمر مقلق، فمجرّد أنّ الأوروبيين قد أخفوا التزاماتهم والتزامات تونس في هذه الاتفاقية، فإن الأمر يدعو إلى القلق”.
من خلال كل ما سبق يمكن أن نخلص ببساطة إلى الانعكاس الكارثي لهذه الاتفاقية على تونس وأمنها القومي وما ينتظرها في قادم الأيام والشهور والسنين في ملف الهجرة، فلا تدفقات المهاجرين ستتوقف ولا هم يستطيعون المغادرة نحو أوروبا ولا الدولة قادرة على توفير الأماكن اللازمة لإقامتهم، هذا دون الحديث عن ظروف عيش تحفظ فيها الكرامة الإنسانية فيما يخص المأكل والصحة والتعليم وغيرها من المستلزمات التي تفرضها القوانين الإنسانية الدولية.
فمن هو الآن المتسبب في الأزمة؟ ومن يريد التوطين ويمنع المهاجرين من المغادرة ويحاصرهم خدمة لأوروبا؟
لنفهم أكثر كل أبعاد هذه الأزمة ونغوص في تفاصيل الوضع وتداعياته وما يرافقه من حملات عنصرية ضد المهاجرين وما يتكبده بعض المواطنين التونسيين أيضا من أصحاب الأراضي الذين وضعت الدولة المهاجرين فيها بالآلاف، وفقدوا بالتالي سيطرتهم على أراضيهم ومنعوا من خدمتها وجني محاصيلها وما يسببه كل ذلك من تداعيات على حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، عن مسببات الأزمة وحقيقة الأوضاع والحلول الممكنة وخاصة طريقة الإدارة واحترام حقوق الإنسان حاورت صوت الشعب الناشط الحقوقي والناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر.
رمضان بن عمر: المهاجرون يتعرضون إلى حملات عنصرية ممنهجة
يقول بن عمر: “عملية إزالة مخيمات المهاجرين هي عملية مستمرة منذ أن نقلتهم السلطات التونسية في صائفة 2023 في الحافلات من وسط مدينة صفاقس إلى غابات الزيتون في العامرة وجبنيانة، وهو إجراء اختارته الدولة لإبعاد ما تسميها الأزمة إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمعات المحلية بالمدن الكبرى، وكذلك الأمر في منطقة البحيرة بتونس العاصمة، فالدولة تعاملت فقط من الجانب الأمني وهو ما يعكس السياسة الأمنية التي تعتمد على التعاطي مع الهجرة كتهديد أمني وديموغرافي وصحي، والأجهزة الوحيدة التي تتعامل مع الأزمة هي فقط أجهزة وزارة الداخلية، وهذه الأجهزة قامت بتطبيق الخطط بأساليب فيها الكثير من الزجرية والقمع من خلال حملات اعتقال عشوائية وعمليات طرد إلى الحدود التي عرفت مأساة إنسانية في 2023، ثم تواصلت وأصبحت عملية آلية لطرد المهاجرين الذين يجري اعتراضهم في البحر، وهذا الحل الأمني تواصل لسنتين ولم يحلّ الأزمة بل فاقمها، وورّط الدولة في انتقادات من المنظمات المحلية والدولية المعنية بحقوق الإنسان والمهاجرين وطالبي اللجوء ومن عدة دول إفريقية، وجعل من تونس في وضعية مساءلة في سجلها الحقوقي ضدّ المهاجرين”.
ويضيف محدثنا أنّ: “المهاجرون تعرضوا لعنصرية ممنهجة كانت تمارسها مجموعات وأفراد قبل فيفري 2023 على شبكات التواصل الاجتماعي واستخدمت هذه المجموعات حملات لإثارة الرأي العام عبر صور وفيديوهات وأخبار مضللة، كما تورط في الحملات مسؤولون رسميين منهم واليا القصرين وصفاقس قبل سنة 2023 بتصريحات فيها الكثير من العنصرية، ثمة تحولت هذه العنصرية إلى عنصرية دولة فقد تبنت مؤسسات الدولة أكثر المقاربات العنصرية تطرفا في هذا القرن وهي مقاربة الاستبدال العظيم التي عرفتها أوروبا والتي اعتبرت أنّ وجود المهاجرين مؤامرة تستهدف البلاد وتركيبتها الديموغرافية، وإثر ذلك واصلت المؤسسات الرسمية سياساتها ومنعت المهاجرين من العمل والتنقل والتمتع بالخدمات الصحية وغيرها، وتطور ذلك إلى حملات تجريم لكل من يتضامن مع المهاجرين وخاصة المنظمات التي تقدم الإغاثة والدعم”.
وفي تعليقه على ما أقدمت عليه النائب فاطمة المسدي وتصريحاتها قال بن عمر: “هذه النائبة تتبنى مقاربات عنصرية ضد المهاجرين وتحدثت حتى عن التحكم في أرحام المهاجرات ما يذكرنا بممارسات استعمارية بائدة، وتحاول توظيف هذه الورقة لتحقيق مكاسب سياسية، وما تقوم به يساهم في تأجيج مشاعر الكراهية ضد المهاجرين وتقدم معلومات مغلوطة لا تستند إلى دراسات علمية ولا ميدانية صحيحة بهدف تضخيم ما تسميه الخطر، وهو عمل موجب للمتابعة القانونية والمساءلة استنادا على قانون الميز العنصري”.
واعتبر الناشط الحقوقي أن تصريحات رئيس برلمان قيس سعيد إبراهيم بودربالة “تناقض المعطيات التي تقدمها وزارة الداخلية بشأن انخفاض أعداد المهاجرين، وهو ما يطرح التساؤل عن سبب التناقض بين مؤسسات الدولة التي تتخبط ولا تستند في قراراتها ولا تصريحاتها إلى أيّ معطيات علمية صحيحة”.
كيف يدخل المهاجرون إلى تونس؟ سؤال يطرحه الجميع دون إجابة شافية
وبسؤالنا عن كيفية دخول المهاجرين إلى تونس وما هي الطرق التي يسلكونها أجاب الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنّ المنتدى قدّم في شهر جويلية 2024 نتائج أولية لدراسة ميدانية استندت إلى عينة من المهاجرين (385 مهاجرا) حول وضعهم في تونس وأنجزت الدراسة في تونس الكبرى وصفاقس ومدنين، وأثبتت أن أكثر من 60% من المهاجرين قادمين عبر الحدود الغربية مع الجزائر و20% قدموا عبر الحدود مع ليبيا و20% موزعة بين الدخول الرسمي عبر المطارات أو الذين انطلقوا من ليبيا عبر البحر وجرى اعتراضهم ونقلهم إلى تونس.
ويواصل بن عمر حديثه لـ”صوت الشعب” عن هذه الأزمة قائلا: “للأسف الدولة التونسية هي التي صنعت هذه الأزمة من خلال الخطاب العنصري الذي تورطت فيه، ومن خلال سياستها التي فرضت تضييقات على المهاجرين ومنع كل أشكال المساعدات الموجهة لهم بما فيها المساعدات المتأتية من عائلاتهم عبر الحوالات المالية وجرى تصوير ذلك كجزء من المآمرة التي تستهدف تونس، وبذلك تكون الدولة هي التي أججت هذه الأزمة إضافة إلى انخراطها في السياسات القمعية والزجرية للاتحاد الأوروبي وتحولت إلى لاعب رئيسي في هذه المقاربة الأمنية الأوروبية وتحولت تونس إلى أشبه بمصيدة للمهاجرين ونقطة حدودية أمنية أوروبية متقدمة، ونقلت أزمة الهجرة من سواحل جنوب أوروبا إلى تونس”.
ضمان حقوق المهاجرين واجب على الدولة وملزم لها
وفي الملخص يرى رمضان بن عمر أنّ تونس ليست مدعوة لتبرير حرمان المهاجرين من حقوقهم واعتبارهم مجرد عابرين فهم قبل أن يكونوا كذلك هم بشر ولهم حقوق يجب على الدولة ضمانها، ودعا إلى استجابة إنسانية لهذه الأزمة عبر تمكين المهاجرين من الحقوق الأساسية التي تكفلها كل المعاهدات الدولية والالتزامات المحمولة على الدولة التونسية بموجب توقيعها على المعاهدات الدولية وخاصة الإفريقية، ومنها ميثاق حقوق الإنسان والشعوب في إفريقيا، ويجب ضمان الحق في التنقل والسكن والعمل والخدمات الصحية والتعليم، فضلا عن ضرورة توفير أماكن إيواء مراقبة تتوافر بها الحاجيات الأساسية للعيش، كما يجب مراجعة كل الاتفاقيات الثنائية مع الجانب الأوروبي الخاصة بمكافحة الهجرة غير النظامية، وتحميل الاتحاد الأوروبي مسؤوليته في إيجاد مسارات تنقل آمنة للمهاجرين واللاجئين العالقين في تونس.