الرئيسية / عربي / يوم الأرض، الأرض اليوم
يوم الأرض، الأرض اليوم

يوم الأرض، الأرض اليوم

بقلم حبيب الزموري

يحيي الشعب الفلسطيني هذه السنة وكل أصدقاء الشعب الفلسطيني والشعوب المضطهدة في العالم الذكرى 49 ليوم الأرض، في سنة استقبلت فيها الأرض الفلسطينية بين أضلعها جثامين أبنائها بالآلاف وتحملت عشرات الآلاف من القنابل والصواريخ طيلة أكثر من سنة من العدوان الصهيوني الهمجي الغاشم الذي سوى المباني والشجر والبشر بالأرض لتكتسب الذكرى في هذه السنة طابعا خاصا يزيد من تكثيف رمزيتها وأهميتها منذ سنة 1976 بل إن الذكرى تكتسب هذه السنة بعدا قوميا وأمميا في ظل تنامي السياسات التوسعية الصهيونية في الوطن العربي والإمبريالية في العالم.

اكتسب “يوم الأرض” أهميته ورمزيته لدى الفلسطينيين وأنصار القضية الفلسطينية لكونه أول صدام يحدث بين الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة سنة 1948 والسلطات الإسرائيلية. حيث أعلنت الحكومة الإسرائيلية سنة 1975 خطة لتهويد منطقة الجليل لبناء تجمّعات سكنية على أراض تعود لفلسطينيين الذين يشكلون أغلبية سكانية في المنطقة. وصادقت الحكومة، في 29 فيفري 1976، على قرار لمصادرة 21 ألف دونم (1 دونم يساوي 0.1 هكتار)، من أراض تعود ملكيتها لفلسطينيين في بلدات سخنين، وعرابة، ودير حنا، وعرب السواعد. وخصصت إسرائيل تلك المساحات المُصادَرة لبناء المزيد من المستوطنات. واستباقا لردود الفعل الفلسطينية، أعلنت السلطات الإسرائيلية حظر التجوّل في القرى التي شهدت مصادرة للأراضي منذ الساعة الـ 05 مساء من يوم 29 مارس من ذلك العام. واعتبرت أي مظاهرة ستخرج احتجاجا على المصادرة، غير قانونية. كما هددت بإطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين لمنع تنفيذ الإضراب. وفي إطار مواجهة هذا القرار، اجتمعت لجنة الدفاع عن الأراضي، التي انبثقت عن لجان محلية فلسطينية، وأقرّت إعلان الإضراب الشامل اليوم التالي الذي وافق 30 مارس، ولمدة يوم واحد فقط. وبدأت شرارة المظاهرات الاحتجاجية، في 29 مارس من ذلك العام، بانطلاق مسيرة شعبية في بلدة دير حنا، تعرضت للقمع الشديد من قوات الاحتلال، تلتها مظاهرة أخرى في بلدة عرّابة، وكان القمع أقوى حيث استشهد خلالها مواطن وجرح العشرات. وأدى انتشار خبر استشهاد المواطن إلى اتساع دائرة المظاهرات والاحتجاج في كافة المناطق الفلسطينية في اليوم التالي. وتركزت المواجهات في منطقتي الجليل، والمثلث لاسيما قرى وبلدات عرابة ودير حنا وسخنين، وكذلك صحراء النقب.
لم يخفت تعطش الكيان المحتل للتوسع والاستيطان لحظة واحدة وكان منذ لحظة تأسيسه سنة 1948 كيانا آكلا للأرض سواء الأرض الفلسطينية أو أراضي بلدان الطوق، بل إن عتاة الصهاينة لا يترددون في الوصول بحدود أطماعهم التوسعية إلى شمال افريقيا غربا والعراق شرقا.
في سياق توثيقه للجرائم الصهيونية في حق الفلسطينيين وأرضهم، يؤكد المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان بان اتفاقيات “اوسلو” التي مر ثلاثون عاما على توقيعها، إنما تطويها موجات متعاقبة من عمليات البناء والمخططات الاستيطانية الهدامة التي تستهدف ما تبقى للفلسطينيين من أرض، لافتا أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية قد تضاعف سبع مرات منذ التوقيع على تلك الاتفاقيات ويقسم الحملات الاستيطانية الصهيونية في الضفة الغربية إلى أربع مراحل كبرى:
الموجة الاستيطانية الأولى التي كانت في فترة حكم حزب العمل بين 1967 – 1977 واستهدفت الضفة الغربية حيث تم بناء عدد من المستوطنات بلغ نحو 31 مستوطنة أهمها في منطقة القدس الكبرى وفي غوش عتصيون في محافظة بيت لحم وفي غور الأردن، فضلا عن المستوطنة التي اقامتها على اراضي القرى المدمرة (يالو، بيت نوبا، اللطرون). أما عدد المستوطنين فقد ارتفع إلى 2876 مستوطنا، كان التركيز في ذلك الوقت على غوش عتصيون وغور الأردن ومنطقة القدس الكبرى، أما في بقية أنحاء الضفة الغربية فبنت فيها اسرائيل مستوطنة واحدة فقط.
الموجة الثانية جاءت مع التحول الكبير في سياسة اسرائيل الاستيطانية بعد صعود اليمين المتطرف بقيادة مناحيم بيغن الى السلطة وبعد التوقيع على اتفاق السلام مع مصر، حيث أقامت اسرائيل نهاية السبعينات مطلع الثمانينات 35 مستوطنة تلاها 43 مستوطنة جديدة حتى نهاية الثمانيات. وتصاعدت النشاطات الاستيطانية في الفترة التي رافقت مفاوضات مدريد وواشنطن بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بعد حرب الخليج الاولى عام 1991 فأقامت حكومة اسحق شامير سبع مستوطنات جديدة، وارتفع عدد المستوطنين إلى107 آلاف مستوطن، لترتفع نسبتهم الى 5,3% من المجموع العام لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة.
أمّا الموجة الثالثة، فكانت بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو اذ تواصلت النشاطات الاستيطانية حيث جرى التوسع في الاستيطان وفي فتح الشوارع الالتفافية وإصدار الأوامر العسكرية القاضية بوضع اليد على الأراضي الفلسطينية، خلافا لما تضمنته اتفاقية “أوسلو” التي نصت على أنه لا يجوز لأي من الطرفين البدء أو اتخاذ أي خطوة من شأنها تغيير الوضع بالضفة وقطاع غزة لحين انتظار نتائج مفاوضات الوضع النهائي، وكأن اسرائيل في سباق مع الزمن لفرض المزيد من الحقائق الجديدة على الأرض. وقد استخدمت حكومات اسرائيل الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها مع الجانب الفلسطيني، مثلما استخدمت المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية غطاء سياسيا لنشاطاتها الاستيطانية حتى وصلنا الى قبيل الانتخابات الأخيرة للكنيست الاسرائيلي عام 2022 الى 158 مستوطنة في أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية يسكنها نحو 700 – 750 ألف مستوطن، هذا الى جانب 15- 20 ألف مستوطن يسكنون في أكثر من 200 بؤرة استيطانية أخذت تتحول مع مرور الوقت الى حاضنة للمنظمات الارهابية اليهودية، كمنظمات “شبيبة التلال” و”دفع الثمن” ومنظمات أخرى تطلق على نفسها اسم “تمرد” ومع هذا التوسع والتمدد الاستيطاني لم يعد يجري الحديث عن مستوطنات سياسية (يمكن تفكيكها) وأخرى أمنية حسب تعبير اسحق رابين بل عن بنية استعمارية استيطانية على مساحة 600 ألف دونم، تشكل نحو 12% من مساحة الضفة الغربية، يضاف إليها نحو مليوني دونم، هي مساحة مناطق نفوذ المجالس الإقليمية للمستوطنات، لتبلغ مساحة الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت السيطرة المباشرة للمستوطنات بما فيها البؤر الاستيطانية وما يسمى بالمزارع الرعوية نحو 40% من مجمل مساحة الضفة.
الموجة الرابعة من النشاط الاستيطاني غير المسبوق والمخططات الاسرائيلية الهدامة فقد بدأت مع صعود اليمين الفاشي الى الحكم في اسرائيل بعد الانتخابات الأخيرة للكنيست، التي جرت في تشرين الثاني من العام الماضي، والتي تستهدف رفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية الى نحو مليون مستوطن خلال العامين المقبلين. حيث أعد “بتسلئيل سموتوتريتش” وزير المالية ووزير الاستيطان في وزارة الجيش من جانبه خطة استيطانية تنطوي على عشرات المشاريع الاستيطانية بين بناء جديد، بما في ذلك مدن استيطانية جديدة وإضفاء الشرعية على نحو 155 بؤرة استيطانية ومزرعة رعوية، (وهما وجهان لعملة واحدة ومأوى لمنظمات ارهابية يهودية)، ولهذا طلب تأجيل مناقشة إضفاء “الشرعية” على عدد من البؤر الاستيطانية في الكنيست الاسرائيلي في انتظار بلورة مشروعه الاستيطاني الهدام. “سموتريتش” في هذا يتقاطع مع كل من “بن غفير” و”نتنياهو”. في القدس مدن استيطانية جديدة مثل “تلبيوت الجديدة” و”كدمات تسيون” وطرق التفافية وقطار خفيف وفي باقي محافظات الضفة الغربية عودة الى الاستيطان في المستوطنات، التي أخلتها حكومة شارون عام 2005 في محافظة جنين، وتكثيف الاستيطان الرعوي وتطويره في مناطق شفا الأغوار بدءا بالمناطق الواقعة الى الشرق من بلدتي بيت دجن وبيت فوريك، صعودا الى الشمال في مناطق بيتا وقصره ومجدل بني فاضل ودوما وجالود وقريوت في محافظة نابلس. وفي مناطق ترمسعيا وبني فلاح والمغير وكفر مالك ومعرجات الطيبة في محافظة رام الله والبيرة، وصولا الى صحراء القدس في اتجاه الأغوار ومدينة اريحا. ورصدت حكومة الاحتلال لهذا الغرض نحو 3.5 مليار شيقل لتهيئة البنية التحتية الضرورية لمثل هذه المشاريع بما في ذلك التسريع في إنجاز عدد من الطرق الالتفافية الجديدة، التي تعفي المستوطنين من السفر في مناطق مأهولة بالسكان الفلسطينيين. بنيامين نتنياهو غير بعيد عن مخططات ومشاريع سموتريتش الاستيطانية التي عبر عنها منذ أيام قليلة في تصريح لوسائل الاعلام قائلا ” مستمرون في مساعي تحقيق ثورة استيطانية وفي شرعنة وتطبيع المستوطنات بالضفة الغربية”، فهو يشجعها في سياق مشروع طويل المدى يتحدث عن نقل الاستيطان الى مرحلة نوعية جديدة.
لقد كشفت معركة طوفان الأقصى وسقوط النظام البعثي في سوريا مرة أخرى الطبيعة الاستعمارية لهذا الكيان الغاصب بتعامله مع اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع المقاومة الفلسطينية في غزة كفرصة لفتح جبهة الضفة الغربية واحتلال المزيد من الأراضي السورية إذ تحتل إسرائيل اليوم مساحة تُقدَّر بحوالي 250 كم2، تمتد على أجزاء من محافظات القنيطرة وريف دمشق ودرعا جنوب غرب سوريا، والتي سيطرت عليها منذ سقوط نظام الأسد مطلع شهر ديسمبر الماضي. وتعزز إسرائيل سيطرتها بمزيج من النقاط الثابتة والدوريات المتحركة، يتغير نطاقها من يوم لآخر بالإضافة إلى هضبة الجولان التي تحتلها منذ سنة 1967 والتي تقدر مساحتها بــ 1150 كم2، وتشمل 137 قرية و112 مزرعة، إضافة إلى مدينتي القنيطرة وفيق. وقد وصل عدد المستوطنات الصهيونية في الجولان إلى 45 مستوطنة منتشرة على أنقاض القرى العربية السورية التي دمرتها إسرائيل. وفي 14 ديسمبر/ كانون الأول 1981، أقر الكنيست الإسرائيلي ما يُسمى “قانون الجولان”، وهو قرار بضم الهضبة المحتلة، وتم بموجبه “فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على الجولان”. بالإضافة إلى رفضه تطبيق القرارات الأممية ووقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية بتشبثه بالتواجد العسكري في عدة نقاط استراتيجية وتشبثه بحق الاعتداء على سيادة لبنان متى رأى ضرورة لذلك بحجة الدفاع عن النفس.
لم تكن الأراضي العربية مستباحة مثلما هي مستباحة اليوم منذ انتصاب الاستعمار المباشر خلال القرن 19 والنصف الأول من القرن العشرين فعلاوة على العربدة الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والمجال العربي المحيط بها تتمركز بالأراضي العربية قواعد عسكرية أجنبية تتوزع على النحو التالي:

توزيع القواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي العربية

توزيع القواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي العربية

كما توجد في العراق قواعد ومعسكرات أجنبية ومراكز تدريبية لقوات دول غربية، منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وإيران والنرويج والسويد والدانمارك، أما في ليبيا فقد قدرت منظمة الأمم المتحدة سنة 2020 تواجد 10 قواعد عسكرية مسيطر عليها كلياً أو جزئياً من قِبل القوات الأجنبية بالبلاد، هذا دون الحديث عن الاتفاقيات العسكرية والمعاهدات غير المعلنة التي تمنح التسهيلات للنشاط العسكري لمختلف القوى الامبريالية في أغلب البلدان العربية.
أمام هذا الانتهاك الصارخ لسيادة وكرامة الأرض العربية بتواطئ مباشر من النظام الرسمي العربي العميل فإن يوم الأرض لا ينبغي أن يكون يوما فلسطينيا فحسب بقدر ما إنه يوم قومي وأممي تحيي فيه الشعوب والطبقات المضطهدة قيم النضال ضد الإمبريالية وكافة ملحقاتهما الإقليمية والقطرية ويكفي الفلسطينيين فخرا اليوم أنهم يشكلون رأس حربة النضال ضد الاستعمار والإمبريالية ورأس حربتها في الوطن العربي والشرق الأوسط الصهيونية، ففي كل شبر مستباح تنتهك فيه الكرامة الإنسانية ينبغي أن يكون هناك يوم للأرض، يوم لإحياء قيم النضال والتحرر، يوم لفلسطين.

إلى الأعلى
×