بقلم سها ميعادي
تمرّ اليوم 30 مارس 2025، الذكرى التاسعة والأربعون ليوم الأرض الفلسطيني، ذكرى يحييها كلّ الفلسطينيّين وكل أحرار العالم تخليدا لمسيرة نضال شعب الجبارين من أجل الأرض والعرض وضدّ سياسات التّهويد والتّهجير القسري التي كانت ومازالت تُحاك ضدّهم.
وثيقة “كُوِنيغ” السرّية !
وتعود أحداث هذا اليوم، 30 مارس 1976، إلى إقدام سلطات الاحتلال على مصادرة أراضي تعود ملكيّتها إلى فلسطينيّي الدّاخل تجسيدا لبرنامج الحكومة الصّهيونيّة القاضي بمواصلة حملات الاستيطان ضمن ما أطلقت عليه “خطّة تطوير منطقة الجليل”، بهدف استيعاب الأعداد المتزايدة من المهاجرين اليهود واستئناسا بما ورد في وثيقة “كُوِنيغ” السرّية التي قدّمها حاكم المنطقة الشمالية (الخليل) إلى رئيس الوزراء الصّهيوني “اسحاق رابين” بتاريخ 01 مارس 1979، وتتضمّن الوثيقة دراسة تحليليّة وتوصيات عُرفت بـ”مشروع مذكرة معاملة عرب إسرائيل” في مختلف النّواحي والمجالات. وهي في العمق تهدف إلى إفراغ الجليل والنّقب من سكّانه الأصليّين وتهجيرهم عبر توسيع الاستيطان اليهودي وتعميقه في المناطق ذات الكثافة السكانية من العرب وتفعيل سياسة العصا مع القيادات والقرى التي يرشح منها أي تعبير ضدّ الدولة أو الصهيونيّة. إضافة إلى التّضييق عليهم اقتصاديا ومحاولة عزلهم اجتماعيّا بفرض ضرائب مجحفة واتّخاذ إجراءات تفرض على إدارات المصانع ألاّ تتجاوز نسبة العُمّال العرب فيها نسبة 20%، وإيقاف المساعدات للعائلات العربية الكثيرة العدد على غرار العائلات الحريديّة، وتقليص فرص اندماج العرب في سوق الشغل لحساب اليهود. وأكّدت الوثيقة على ضرورة توجيه الطلّاب العرب إلى الشعب العلميّة بدَلاً من العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة خوفا من تنامي الوعي بالقضايا الوطنيّة، فضلا عن تسهيل سفر الطلاّب إلى الخارج للدراسة مع اتّخاذ إجراءات معقّدة تحول دون عودتهم واندماجهم في سوق العمل، وبالتالي تشجيعهم على الهجرة النّهائية. ولم تنس الوثيقة أن تشدّد على تطبيق القانون بصرامة ضدّ موظفي الدّولة والمؤسسات التي لا تقوم بدورها وفق القانون أو في قضايا الضرائب والبناء “غير القانوني”، لردع العرب. كما أكّدت على تعزيز قوّات الشرطة والأمن على أنواعها في الشارع العربيّ، بهدف ردع التجمّعات “المُتطرّفة” التي قد تقود إلى أعمال التمرّد والمظاهرات. هذه الوثيقة نشرتها صحيفة “وعل همشمار” الحزبية التّابعة لـ”حزب العمال الموحد” (المابام) بتاريخ 07 سبتمبر 1976، وقد تضمّنت الجزء الأوّل إضافة إلى الملحق الذي صيغ بعد أحداث 30 مارس 76، والمتضمّن تحليلا لدوافع يوم الأرض والتّوقّعات الممكنة وجملة المقترحات.
30 مارس 1976: رمز من رموز الصمود الفلسطيني
هذا اليوم شهد أحداثا دامية حيث تدخّلت آلة القمع الصهيونية بوحشية لمنع الإضراب العام والمسيرات في الجليل والمثلث والنقب والساحل وأطلقت الرّصاص الحيّ على المنتفضين من المدنيّين العزّل. فكان أن استشهد 6 فلسطينيّين وجُرح قرابة الخمسين واعتقل أكثر من 300. والجدير بالتّنويه أنّ هذه الاحتجاجات لم تكن حبيسة أراضي 48 بل شملت الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات اللاجئين في لبنان خاصة. فقد خاضت هذه المناطق إضرابات تضامنية ضدّ نزيف الاستيطان ومحاولات العدوّ البائسة طمس هويّة القرى والمدن الفلسطينيّة.
لقد تحوّل هذا التّاريخ عند الفلسطينيّين، أينما كانوا، إلى رمز من رموز الصّراع مع الكيان الغاصب للأرض ورمزا من رموز الصّمود الفلسطيني وارتبط في وجدانهم بالتّمسّك بهويّتهم وبأرضهم المسلوبة وبوطنهم المحتلّ. كما برهن هذا اليوم من جهة أخرى على وحدة الصفّ الفلسطيني والتفافهم حول قضيّتهم العادلة. وهم ما فتؤوا يحيون هذه الذّكرى حتّى تظلّ جذوة النّضال حيّة فيهم يتوارثونها جيلا بعد جيل.
واليوم، تأتي هذه الذكرى بعد سنة ونيف من ملحمة طوفان الأقصى وارتواء الأرض بالدم الفلسطيني في تصدٍّ بطوليّ لمخطّطات التّهجير المتجدّدة واستهداف الوجود الفلسطيني بالكامل، وفي ظلّ تواصل حرب الإبادة في غزّة والعدوان على شمال الضفّة الغربية ضمن حملة عسكرية همجيّة هي الأكثر عنفا وتوسّعا منذ الانتفاضة الثانية، أطلق عليها الكيان اسم عملية “السور الحديدي”، استهدفت جنين وطولكرم ونابلس وقلقيلية وطوباس ومخيماتها وقراها المجاورة في سعي محموم لفصل شمال الضفة عن باقي المناطق وقطع الطريق أمام المقاومة من جهة وخلق واقع أمني يجبر الفلسطينيّين على النزوح أو العيش في مناطق محاصرة. ومعزولة يقع كلّ هذا بدعم لا مشروط من الإدارة الأمريكية وبتواطؤ عربي مخجل ومريب إزاء عمليات التهجير من الضفة وإزاء السياسة الاستعمارية التوسعية الممنهجة والصريحة للكيان الصهيوني وتحقيق حلمه بقيام الدّولة الصهيونية الخالصة على كامل الأراضي الفلسطينيّة وما جاورها.
إنّ ما يجري في غزة والضفة والقدس يضع القوى التّقدّمية في تونس والوطن العربي والعالم أمام مسؤولياتها في إسناد الشعب الفلسطيني الأبيّ ومقاومته الباسلة عبر المسيرات وتفعيل المقاطعة للشركات المموّلة للكيان وفي فضح المخطّطات الصهيونية المسنودة من الامبريالية الأمريكية وعملائها، وفي إحياء يوم الأرض الفلسطيني رمز التّشبّث بالأرض والتّاريخ والهوية وكلّ قيم النّضال والتّحرّر.