الرئيسية / صوت العالم / المسألة الكردية: عدالة القضية واختلال إدارة الصراع (الجزء الثاني)
المسألة الكردية: عدالة القضية واختلال إدارة الصراع  (الجزء الثاني)

المسألة الكردية: عدالة القضية واختلال إدارة الصراع (الجزء الثاني)

بقلم علي الجلولي

الأكراد وتحولات المنطقة اليوم

تعرف المنطقة منذ 2011 تحولات متسارعة لم تكن كلها في صالح شعوب المنطقة ولا مكوناتها المتعددة. لقد هبت ريح ثورية نهاية 2010 /بداية 2011 انطلقت من تونس التي ثار شعبها طلبا للتغيير بعد أن عاش عقودا متتالية تحت حكم دكتاتوري استبدادي، ولما نجح في إسقاط نظام بن علي شهدت المنطقة انعطافة ثورية تعكس طموح الشعوب إلى الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية فنهضت الشعوب من ليبيا إلى تركيا مرورا بمصر واليمن والبحرين وسوريا. لكن النظام الرسمي مدعوما من الامبريالية العالمية والكيان الصهيوني تدخل بكل الأشكال والأساليب لتدمير انتفاضات الشعوب واختراقها وحرفها عن مطالبها الأصلية. وقد تحرك الأكراد مع أشقائهم في سوريا وتركيا والعراق من أجل التغيير الديمقراطي. لكن عصا القمع واختراق دول البترودولار للمسارات النضالية حوّل القرار إلى المطابخ الاستخبارية العالمية والإقليمية. لقد تحرك أكراد سوريا ضد العصابات التكفيرية وقاوموها في “كوباني” رافعين شعارات ديمقراطية تقدمية، لكن سيرورة التعقّد التي وسمت الأوضاع وتحولاتها حرفت تحرك الفصائل الأساسية لأكراد سوريا نحو الربط مع الأمريكان ثم مع الصهاينة حتى يكون لهم نصيب من التمويل والتسليح والحماية مثلهم مثل بقية القوى المرتبطة بتركيا وقطر أو بالسعودية والإمارات والتي استثمرت مجتمعة أموالا قادرة على القفز بالعالم العربي قرنا إلى الأمام. لقد أساءت “قوات سوريا الديمقراطيةـ قسد” إلى القضية الكردية والى المطالب العادلة لأكراد سوريا الذين حرموا لعقود من أبسط حقوقهم المدنية تحت حكم عائلة الأسد. لقد فرضت الأوضاع المستجدة على النظام السوري تقديم “تنازلات” للأكراد تعترف بخصوصياتهم الثقافية، لكن ذلك كان في سياق الحرب الأهلية الرجعية التي قابلت بين قوى محلية مسنودة إقليميا ودوليا على حساب الشعب السوري بكل مكوناته العرقية والدينية، وقد فرضت هذه الحرب بالوكالة تقاربا بين قوات النظام السوري وقوات “قسد” أكثر من مرة للتصدي للعصابات التكفيرية المسنودة تركيا وقطريا. وهكذا استمرت القوى الكردية في وضع ظلت تعيشه لعقود كامتداد لقرون مضت، وهو أنها ورقة في يد غيرها للابتزاز والتدخل والتحكم. لقد غازل نظام بشار “قسد” ووعدها بتوسيع مكاسب الأكراد لا لقناعة مبدئية ولإيمان بحقوق هؤلاء، بل كان ذلك ورقة من ورقات الصراع مع النظام التركي الذي ظلت الورقة الكردية الورقة التي تقسم ظهره بحكم حجمهم في تركيا وثقلهم السياسي والعسكري من خلال “حزب العمال” الذي اشتغل لسنوات من أرض سوريا وتم طرده منها في إطار ترتيبات بين النظامين شملت بعض الصفقات والتي تهم أساسا مياه الفرات بعد أن لوحت تركيا بالتدخل العسكري شمال سوريا لضرب قوات ” أوجلان ” الذي غادر إلى كينيا أين تم إلقاء القبض عليه، فيما تحولت قواته إلى غرب العراق وجبال شرق تركيا أين لا زالت تتحرك إلى اليوم وهو ما فرض عليها أكثر من مرة تغيير خطابها الذي أصبح أقرب إلى الخطاب القومي على شاكلة خطاب “مسعود برزاني” الحاكم بأمره في “كردستان العراق”.
لقد فرضت التحولات الجارية في المنطقة على النظام التركي بالخروج من “التابو” التاريخي والاعتراف للأكراد بذاتيتهم ضمن وحدة تركيا في إطار التعديلات الدستورية التي قام بها أردوغان الذي لم يتخلى عن الخيار القمعي والمواجهة العسكرية والأمنية في الوقت الذي استعاد العقيدة العثمانية الطورانية كإطار سياسي لدور تركيا الإقليمي والدولي. كما تم الاعتراف بأحزاب كردية وصلت إلى البرلمان وترشحت للرئاسة (حزب الشعوب الديمقراطي) فضلا عن بلديات الجبال الشرقية مما غذى لدى أكراد تركيا الذين تحركوا لعقود في إطار النضال العسكري فكرة ضرورة مراجعة أسلوب العمل نحو العمل السلمي، وقد وجد العديد منهم في دعوة أوجلان إطارا لتشريع تحركهم.
بالتوازي مع مستجدات المنطقة طيلة الخمس عشر سنة الماضية، ثبت البرزاني قبضته على إقليم كردستان في إطار الدولة الاتحادية التي ثبتت قادة “الاتحاد الوطني الكردستاني” على رأسها في إطار نظام برلماني لا دور فيه للرئيس، فيما فرض البرزاني ابنه خليفة له، وخلق ديكورا من الأحزاب للتحكم في البرلمان والحكومة ودخل في نزاعات مع الحكومة المركزية حول النصيب من الريع النفطي، وقد تحولت أربيل إلى نقطة استقطاب للمخابرات الأمريكية والصهيونية خاصة في إطار الصراع مع الجار الإيراني. أما أكراد إيران فقد ظلوا عموما أقلية مضطهدة تحركت كلما أمكن ذلك وكان صوتهم عال في التحركات المدافعة عن حرية المرأة وعن الحريات الديمقراطية التي يغرقها النظام في الدم وتغرقها الدوائر الغربية في التوظيف الرخيص للضغط على النظام في ملفات إقليمية ودولية.
وجبت الإشارة إلى أن الدعوات إلى توحيد الصف والمطالب الكردية ظلت أصواتا محتشمة ومحدودة التأثير في الحركة، فقد انحصرت تقريبا في دعوات المثقفين والحقوقيين الأكراد خاصة الذين يعيشون في أوروبا.

دعوة أوجلان: واقعية أم استسلام؟

اختطفت وسائل الإعلام الدعوة الأخيرة لعبد الله أوجلان لحزبه بحل نفسه وإلقاء السلاح والانخراط في عملية سلمية، واشتغلت الآلة الأردوغانية لتسويق ذلك كنصر مبين للخليفة العثماني الذي دكّ نظام الأسد ووضع اليد على سوريا من خلال تنصيب حاكم موال له أمضى اتفاقية مع “قوات قسد” لتشريكها في منظومة الحكم الجديدة بما يعني إلغاء لأي مطالب استقلالية أو انفصالية كردية آتية من سوريا. وتشكل الأوضاع المستجدة في المنطقة وضعا ملائما لبسط هيمنة الدولة التركية كلاعب إقليمي أساسي مع وعي عميق إن لعب هذا الدور الإقليمي هو بوابة الدخول إلى نادي الكبار دوليا، فالمنطقة بمعادلاتها الصعبة والمعقدة هي إحدى بوابات صياغة الموازنات الدولية. ويعمل أردوغان الذي يسهل التواصل غير المباشر مع أوجلان عبر النواب الأكراد مستفيدا من “التحول النوعي” في خطاب أحد غلاة النزعة الطورانية “دولت بهتشلي”، زعيم الحركة القومية التركية، وهي حزب قومي متطرف وهو في الأصل منظمة شبه عسكرية، يساند الحزب أردوغان في نزعته القومية اليمينية ويعادي الأكراد. ويعتبر التحول المهم في ممارسة هذا الحزب هو التقاطه لدعوة أوجلان واعتبارها فرصة تاريخية لطيّ الملف الكردي نهائيا، لذلك دافع عن نداء أوجلان ويطالب اليوم بحماسة لإطلاق سراحه حتى يتولى (أي أوجلان) تنفيذ فكرته باعتبار شخصيته الكاريزماتية لا وسط أكراد تركيا فحسب، بل ضمن كل الأكراد في المنطقة والعالم. هذا ولا يزال أردوغان يعتمد الازدواجية في التعاطي مع دعوة أوجلان، فمن جهة يشجعها ويريد استثمارها وفي نفس الوقت مازال يقمع حزب العمال ويصفه بالمنظمة الإرهابية ومازال في خطابه يقول أنه أعطى أقصى ما يمكن من الحقوق للأكراد وما عليهم وعلى قادتهم سوى الاندماج في الشعب التركي، وهو خطاب يحمل رسالتين، فمن جهة يريد مزيد انهاك حزب العمال في وضع إقليمي موات له وغير موات للأكراد بعد مستجدات الوضع السوري، ومن جهة لا يريد أن يخلق مساحات حرة لأوجلان ولأنصار الحل السلمي، فمنطق أردوغان هو منطق الإخضاع والسيطرة والإذلال وتحقيق انتصار ولو ظرفي في ظل معادلات إقليمية متحركة. لذلك يتجه عديد الملاحظين في تركيا وفي المنطقة أن أردوغان بصدد إضاعة فرصة ذهبية إذ أنه بسلوكه الأرعن بصدد تعزيز موقف رافضي دعوة أوجلان والمشككين في إمكانية إنجاز هكذا مساومة مع دكتاتور توسعي.
لقد تلقى الشارع الكردي في تركيا دعوة الزعيم أوجلان بحماس ضعيف جدا. وللعلم فإن أوجلان كان قد دعا سابقا إلى اعتماد الخيار السلمي لكن صواريخ أردوغان كانت تنسف هذه الدعاوي. ويتجه أنصار دعوة أوجلان إلى أنها تحاذي واقعي مع تحولات عميقة مست المنطقة والعالم، وأن أوجلان كان سيكرس هذا الخيار لو بقي طليقا. إن موازين القوى الدولية لا يمكن أن تعطي اليوم دولة كردية مستقلة، بل لا تعطي أكثر من الحفاظ على الذاتية القومية والخصوصيات الثقافية ضمن مسار معقد من النضال السلمي السياسي والثقافي. لكن المعضلة اليوم ليست في تأثير أوجلان الذي يعد الزعيم الوطني والقومي للشعب الكردي وتضاهي قيمته قيمة مصطفى البرزاني في بداياته، لكن التخوف من أنصار القضية الكردية هو أن ينتهي أوجلان إلى ما انتهى إليه مصطفى البرزاني قبل وفاته بتحوله من زعيم وطني إلى قائد شوفيني وزعيم قبلي رضي أن يحول قضية شعبه إلى ورقة ابتزاز بين أنظمة رجعية استبدادية.

الحل الديمقراطي للمسألة الكردية

لقد ظلت المسألة الكردية لقرون تتراوح بين الاعتبار المبدئي الذي يقوم على حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وبناء وحدته كأمة لها مميزاتها الخاصة، وبين التعاطي الميداني الذي تأثر بكل المتغيرات السياسية والجيواسترتيجية التي تحكمت في الملف الكردي كما بالملف العربي بما حكم على القوميتين بأن تبقيا إلى اليوم مضطهدتين وتابعتين للقوى الإقليمية والدولية التي لا تراعي مصالح هذه الشعوب، بل تراعي فقط مصالحها التي تقتضي الإبقاء على العرب قومية مجزأة ومضطهدة والإبقاء على الأكراد موزعين بين أربع أقطار تحكمها أنظمة رجعية وعميلة. إن الحل الأمثل للمسألة الكردية هو الحل الديمقراطي الذي يعترف بالكرد أمة متمايزة لها حق تقرير مصيرها بما في ذلك حق الانفصال وبناء الدولة-الأمة كما بنتها الدول الحديثة، وعلى الشعوب العربية أكثر من غيرها أن تعي أن للأكراد حق بناء ذاتيتهم بما فيها الانفصال، وهو حق يجب أن يسحب على العرب الذي تم تدمير مسار تطورهم وبناء دولتهم كأمة موحدة. إن مصلحة الشعبين الكردي والعربي هي في التآزر والتحالف من أجل الأهداف المشتركة في التحرر والانعتاق والوحدة، وحدة الشعب الكردي وبناء دولته/ أمته المستقلة وذات الأمر بالنسبة للشعوب العربية ببناء دولتها/أمتها الديمقراطية التقدمية على أنقاض التقسيمات الاستعمارية. إن الأكراد أحرار سواء بالاندماج في المجتمعات الحرة وفي إطار دول ديمقراطية تعترف بخصوصياتهم وحقوقهم بما فيها ممارسة الحكم الذاتي أو الانفصال.
إن التلاعب بالقضية الكردية يأتي اليوم في سياق وضع إقليمي تتصارع فيه كواسر الامبرياليات من أجل تأبيد الهيمنة على المنطقة ومقدراتها. إن الخطوة الأولى التي تعني القوى التقدمية والوطنية هي توحيد الجهد من أجل إجهاض الأهداف الاستعمارية وفي مقدمتها مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يريد تكريس السرطان الصهيوني ومزيد تفتيت الأقطار القائمة وليدة اتفاقيات سايكس ـ بيكو الاستعمارية.

المسألة الكردية: عدالة القضية واختلال إدارة الصراع (الجزء الأوّل)

إلى الأعلى
×